dimanche 20 août 2017

صناعة الرويبضة

 صناعة الرويبضة
 تخيل لو أصبح الناس, كل الناس,
يتواصلون فيما بينهم بكامل الشفافية,
لا عن رضى منهم, ولكن لأن طبيعتهم تغيرت,
رغم إرادتهم.
هذا يذكرني بكتاب ليوسف السباعي
"أرض النفاق"
كنت قد قرأته منذ عقود خلت.
فكرة الكتاب باختصار شديد كالتالي:
"كان رجل فاضل يتمتع بكل الخصال الحميدة فى البلد
الذى كان يعيش فيه,
لكنه كان تعيسا وحزينا لما يراه من نفاق مستشر فى مجتمعه,
فأراد أن يقوم بإصلاح هذا الخلل,
ليس عن طريق الوعض والإرشاد,
لأن من سبقه من المصلحين لم يفلحوا باستعمال هذا الأسلوب.
ولكن لأنه اكتشف ذات يوم مادة 
يمكن أن يفرغها فى النهر الذى يشرب منه سكان البلدة.
وذات صباح باكر, ذهب إلى النهر وأفرغ فيه تلك المادة,
ثم رجع إلى البلدة ليرى ماذا طرأ على أهلها.
فكانت الكارثة!
عندما كان الناس يتعاملون فيما بينهم بأسلوب النفاق,
كانت علاقتهم محتملة وكان نوع من التوازن الإجتماعي يجمعهم.
ولكن عندما شربوا من ماء النهر الذى غيرت طبيعته تلك المادة
أصبحوا يتمتعون بكل الخصال الحميدة,
من بينها الصدق والصراحة والشفافية,
فكانت النتيجة أن كل واحد منهم كان يقول فى مخاطبه ما هو فيه من رذائل.
وهكذا تقطعت بينهم الأسباب.
فكثر الطلاق بين الأزواج, إذ أصبح الزوج لا يتحمل زوجته لما فيها من قبائح,
وأصبحت الزوجة كذلك تكره زوجها ولا تطيقه لما ترى فيه من خيانة فضيعة,
وأصبح الأخ لا يريد أن يلتقى بأخيه لأن المسكوت عنه فى ما يجمعهما من مصالح أصبح مفضوحا,
وكذلك بين الشركاء والجيران,
بل وبين الوزراء والقضاة...الى آخره!"
راوضتني فكرة هذا الكتاب الذى كان وقتها ثورة على الأوضاع الإجتماعية فى مصر.
وقلت فى نفسي:
" آه لو كنت معنا يا يوسف فى هذه الأيام النحسات,
هذا الزمان الذى قال عنه الذى لا ينطق عن الهوى,
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
" سياتى على الناس زمان, يمر الرجل على قبر صاحبه ويقول يا ليتني كنت مكانك"
أو كما قال أيضا:
" سيأتى على الناس زمان يصدق فيه الكاذب, ويكذب فيه الصادق,
ويؤتمن فيه الخائن, ويخون فيه الأمين,
ويتكلم فيه الرويبضة,
قيل وما الرويبضة يا رسول الله,
قال الإنسان التافه يتكلم فى شئون العامة"
000
لقد أصبحنا نلمس ونرى, على طول الأرض وعرضها,
فى كل الدول والهيئات, وفى كل الملل والنحل,
نرى ونسمع ونقرأ ونشاهد,
ما لم يكن يعيشه آباؤنا وأجدادنا,
أصبحنا نعيش زمان الرويبضة بل الرويبضات أو الروابض جمع تكسير,
إذ تكسرت فيه كل القيم أو تكاد,
وأصبح المنكر معروفا, والمعروف منكرا,
وأصبح إشهار المنكر تقام له الحفلات والمهرجانات والمسابقات.
وأصبحت تسند المسؤوليات الجسام لمن تروبض أكثر, إن صح البعبير,
وأصبحت الأضواء تضفى على من يتقن فن التروبض, إن صح التعبير.
كلما أتقنت الكذب, وتوسعت فى فنونه كلما كان نسبة النجاح العالية من نصيبك.
لقد أصبحت للكذب والزور جامعات تدرسها,
وأساتذة يفتخرون بنظريات عالية الحبك والإثارة جعلت من الباطل حقا,
وطلبة يعكفون على البحث والتنقيب لتقديم أطروحات باطلة, يطمحون أن يصبحوا بواسطتها
من أبرز العقول التى ستتصدر مقاليد الإدارة والتدبير لإعلاء كلمة الباطل,
على مستوى المؤسسات والهيئات العليا خصوصا العالمية والدولية.
فن الكذب والبهتان والزور أصبح قيمة لها برصاتها وأسواقها,
يتدافع المحترفون والمتخصصون على أبوابها,
ويتنافسون لنيل الحضوة من ذوى الجاه والمال.
وبالمناسبة, تروبض الجاه بمعنى أنه أحيط بجحافل من الرويبضات,
لاهم ورثوا الجاه عن آبائهم وأجدادهم,
ولاهم حصلوا عليهم عن صناديق الإقتراع عن جدارة واستحقاق,
ولكن اخنطفوه اختطافا بواسطة مهاراتهم فى الكذب والتزوير.
وتروبض كذلك المال, ولنا مثل فى فضائح الأزمة المالية العالمية,
فمن تسبب فيها؟... بالضبط رويبضات البرصات وما وراء البرصات وكواليسها.
والنتيجة أن أمما وشعوبا بأكملها غرقت فى مستنقعات الفقر والبؤس والحرمان,
بعدما كانت تحلم بالغد الأفضل, وبفردوس الحياة الدنيا.
وتروبض الجمال هوالآخر من قبل وأثناء تروبض الجاه والمال,
فأصطبغ الجمال بصبغة الزور والكذب, وأنشئت من أجل هذا معاهد وكليات,
وابتكرت له نظريات ومناهج,
يتخرج على إثرها علماء متخصصون يجعلون من القبح مرتكزا للجماليات الحديثة,
ويفتخرون بأنهم استطاعوا أن يضعوا تاج الجمال على رأس قردة أو خنزيرة,
وأنهم كونوا لها جمهورا يتغنى ليل نهاربمفاتنها,
بل وجعلوا لها سوقا رابحة مربحة لصورها وتماثيلها,
وخصصوا لها مجلات وفضائيات ومواقع فى الشابكة,
يتزاحم عليها راوابض من كل حدب وصوب.
ولا يفوتني ما هو أخطر من روابض الجاه والمال والجمال,
إنهم روابض التربية والتنشئة وبناء الأجيال.
فهؤلاء هم الذين يسهرون على إخراج الإنسان المروبض,
انسان من الجنس البشري الممسوخ,
الذى لا يميز بين الصالح والطالح,
ولا يعرف ما يفرق الطيب عن الخبيث,
وأما عن الحلال والحرام, فبالنسبة إليه سيان.
هذا نوع يتميز بمادته السلسة الطيعة كالعجين,
وهو عجين مدى الحياة, يتشكل بسهولة قصوى, حيث يتناسب مع كل الأوضاع والأحداث والمناسبات.
إنه إنسان العولمة الذى لا وجهة له ولا قبلة.
لقد فقد كل طموح يذكر, فقد طموح الجاه والمال والجمال فى تجلياتها السليمة.
لقد فقد روحه ووعيه وتموضعه فى هذه الحياة.
لإن سألته ماذا يريد وعما يبحث وماذا يشغله,
لأجابك بسرعة وبدون تردد:
" أحلم بحياة لا تعب فيها ولا لغوب,
حياة كلها ملذات ومسرات,
حياة يخدمني فيها كل الناس, ولا أخدم فيها أحدا"
ولهذا هم, أي الرويبضات, أقنعوه بأننا نعيش مرحلة نهاية التاريخ,
أي المرحلة الأخيرة التى أصبح للبشرية الحق أن تسعد بالنهج الرأسمالي
لأنه برهن على جدارته واستحقاقه ليقود البشرية إلى السعادة.
ولقد قادها فعلا, لا إلى السعادة ولكن إلى الشقاء.
حامد البشير المكي
 دجنبر 2010
  

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire