jeudi 17 août 2017

السنابل والعريش

السنابل والعريش

هذه القصة من وحى الخيال الذى يرتكز على شظايا من الواقع
فكل مقاربة أو مشابهة فهى من قبيل الصدفة
علما بأن من وجد تطابقا ما معها فليحاول أن يستخلص العبرة
والله ولي التوفيق
 000 
عندما تركني ورحل إلى البادية
قلت لعله مل المدينة وضجيجها الصاخب
وأنا أعرفه لا يرتاح إلا للسكون والهدوء
وأنه لا يتحمل تلك الأمواج البشرية 
التى تطفح على شوارع المدينة وأزقتها
وأنا أعرف أنه كان لا يغادر البيت فى الماضى إلا فجرا
عند ذهابه إلى المسجد لصلاة الصبح

إذ بعدها يتجول عبر فضاءات المدينة وهى شبه خالية من المارة
إلا النزر القليل الذى يتوجه جادا إلى عمله

كان عدنان يمشى راجلا 
ويرفض أن يتجول على متن سيارته
التى كان يتركها فى مخدعها بالبيت

وكان يسعى بهذه الجولة التى كانت تدوم ستين دقيقة بالتمام
أن يحافظ على لياقته البدنية
وأثرها الإيجابي على نفسه وعقله

أما وأنه ابتعد عن المدينة 
مستنجدا بالبادية وسهولها وتلالها 
إذ كان تبريره لهذا القرار أنه أصبح لايتحمل 
جعجعة المدينة وضوضاءها
وأن حراك الساكنة وحركة المرور 
بكل أشكال التنقل العتيقة
من حمير وبغال وخيل 
وعربات مدفوعة باليد وأخرى مجرورة بالحيوان
 ومركبات حديثة كالسيارات والشاحنات 
والحافلات المتخلفة صيانة
والمخلفة فى سماء المدينة تلوثات سامة
و سيارات أخرى كالحسناوات 
تمر مذعورة من هول ما قد يصيبها
من أذى تلك المركبات الطاعنة فى السن

لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذى دفع بعدنان
لمغادرة المدينة واللجوء إلى القرية
بل هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية
مثل تلاشى المناخ الثقافي 
حيث هيمنت ثقافة ما بعد الحداثة
وهى ثقافة سطحية آخر طراز 
ترزح تحت قبضة العولمة
وآلياتها المدمرة من فضائيات ومنتديات
إضافة إلى المهرجانات والتظاهرات والمؤتمرات
التى أصبحت توكل إلى مؤسسات متخصصة 
فى الإخراج والإعلام والتسويق
  حيث لها القدرة الفائقة أن تجعل من الحبة قبة
وأن تصنع من حدث بالغ التفاهة حدثا جللا
تتكلم عنه القارات الخمس أو السبع لأيام وأسابيع
بله وشهور حسب الخط البياني للمردودية والنفعية
المادية والمعنوية
وسبب آخر أقنع عدنان على مغادرة المدينة
وهو هذا المد الهائل والخطير 
للهجرة من الشمال إلى الجنوب
بعدما كان الحديث وما يزال عن هجرة الجوعى 
من الجنوب إلى الشمال
فما هو سر الإقبال المتزايد لأبناء أوروبا على الجنوب
وخاصة العالم العربي
أهو مجرد حب التشريق
كما كان بالأمس حب التغريب؟
أم هناك جوعى من صنف جديد 
أرغمتهم الحاجة على النزوح إلى الجنوب
لأن تكلفة العيش فى الجنوب أخف من تلك التى يتحملها
أبناء الشمال بمرارة لا تطاق
أم هناك دوافع أخرى خفية لانلمسها بالبصر والبصيرة
إلا عندما ننكب عليها بالتحليل والتمحيص والنقد والنقض؟
ألا ترى أن ظاهرة النزوح إلى الجنوب فى ظروف كهذه
تثير الريبة والخوف؟
خذ مثلا الجماعات من النازحين الذين يفضلون الإقامة
فى الأحياء الفقيرة من المدن بأزقتها الضيقة
ويختارون كذلك الإقامة فى المداشر والدواوير القروية
قد تكون عديمة المرافق الحيوية
بل أغرب من هذا وذاك إقبالهم بلهف شديد
على الزواج ذكرانا وإناثا بشباب أهل القرى وفقراء أهل المدن
هل من الرومنسية فى شئ 
إذا بقى للرومنسية وجود فى هذا العالم؟
كل هذه الأسئلة والتساؤلات أنهكت فكر عدنان
وعندما أخبرني أنه عزم على الرحيل 
من البادية إلى ما أبعد منها بمسافة كبيرة
لم أفهم الدافع الحقيقي لهذا القرار
سألته: لماذا تريد أن تبتعد أكثر عن مسقط رأسك؟ 
لم يجبني ولم يرد أن يعيرني أى اهتمام
فأنا لا أفهم وأريد أن أفهم ومن حقي أن أفهم 
ألم يعدني بالأمس القريب 
أيام كنا على بساط البوح جالسين
وأمام فجر الهيام متقابلين 
وأصابع أيدينا متشابكة تشابك قلبينا وتنادى:
هذا عهدنا حتى آخر رمق

تفهمت هروبه إلى البادية وقبلت شكواه
وقلت فى نفسي: 
على كل حال لقد انتقل إلى أرض الأصالة
لقد رجع إلى الجذور 
لقد ذهب ليرتوى من منبع القيم
ويغسل كيانه من تلوثات الحداثة 
وما بعد الحداثة
أما وهو ذاهب إلى ما أبعد فلا!
ولكن ما حيلتي لكى أمنعه 
وأصده على هذا الرحيل الأخرق 
غادرت المدينة فى الصباح الباكر 
متوجهة إلى البادية 
كانت الشمس على وشك الشروق 
ولما ابتعدت عن المدينة 
كانت السماء صافية صفاء حبي لعدنان
رغم الحدث الجلل الذى أصابني

كنت أحاول أن أتشبث بعنان التفاؤل 
لأنني لا أجد بديلا عنه 
كانت ريح طيبة منعشة تهب من جهة الغرب 
وكنت أتفاءل بهبوبها اللطيف
وصلت إلى قرية أهل عدنان
استقبلتني كلابها بنباح مخيف 
وكأنها تقول لي على لسان حالها
ارجعي من حيث أتيت 
فالقرية لا ترغب فى استقبالك
تساءلت: 
لماذا لا تريدني هذه القرية؟ 
وأنا لم أزرها فى حياتي إلا مرتين اثنثين
الأولى عند وفاة جدة عدنان من أبيه 
والثانية عند وفاة أبيه
صاحت بي مقبرة القرية وأنا أمر بجانبها : 
أنت نذير شؤم
أنت لا تزورين القرية إلا فى مناسبات الموت

أطفال القرية كانوا يهرعون وراء سيارتي
وكان مجيئي بالنسبة إليهم حدث مسلي 
لقلة أسباب التسلية فى القرية
كانوا يهرولون وأصواتهم تتعالى أكثر فأكثر
خفت أن يتطور لعبهم وضجيجهم إلى ما هو أسوأ
أن يوحى إليهم شيطان الطفولة برجمي بالحجارة
الأمر الذى أثار حفيظة الرجال والنساء 
فخرجوا بدورهم ليشاهدوا ما يحدث 
وقفت على باب الدار دارالأجداد 
التى من المفروض أن أجد فيها عدنان
لم أزر هذه الدار منذ زمن بعيد 
لم تتغير ملامحها
لكن أكل الزمان من جدرانها 
وترك على أبوابها جراحا وتشوهات مرعبة 
أوقفت السيارة 
و خرجت منها حاملة معي بعض الهدايا
لبقايا أهل عدنان خاصة منهم النسوة 

أتذكر بعض الأسماء 
ولكن لا أستطيع التعرف على وجه من وجوه أقربائه 
نظرت إلى الجماعة الواقفة أمام الدار 
وإذا بي ألمس استغرابا مريبا 
نداني أحد الرجال: 
يا زهرة ألست أنت زهرة؟
لعلك أتيت تبحثين عن عدنان؟ 
لقد غادر القرية منذ امس البارحة 
فقلت وأنا كالمشدوهة: 
وأين سافر؟ 
هل أخبركم عن وجهته؟ 
أجابني الرجل وفى نبرته بعض السخرية والتهكم:
أو لم يتصل بك بالهاتف؟ 
على كل حال هذا شأنه ونحن لا نتدخل فيه
لم ألمس فى وجوه القوم عبارة ترحيب
أو على الأقل عبارة رحمة إثر السفر الشاق بالنسبة لي
لكن الأمر سيزيد من استغرابي
حين رمقت وجوها شقراء 
وعيونا زرقاء 
تختلط بأبناء القرية
ولا يحتاج الملاحظ كبيرعناء 
لإستخلاص أن القرية
أصبحت محطة إقبال من المستوطنين الجدد 

ركبت على التو سيارتي 
لم أكن على وضوح من أفكاري
التى كانت تتضارب فى عقلي المهزوز

كنت أشعر أن السيارة هى التى كانت تقودني إلى المجهول 
أأتوجه شمالا أم جنوبا؟ 
أم أتوجه شرقا أو غربا؟ 
شعرت بدوران يزلزل وعيي
ورجلي التى تضغت على المسراع 
أصبحت ثقيلة وبدأت أفقد ضبطها
عرجت يمنة على حافة الطريق 
وأوقفت السيارة لأتنفس الصعداء
لأن إختناقا يضم صدري بعنف 

لم يكن معي أية جرعة ماء 
وهذا خطأ إرتكبته
أنا التى أعانى من مرض مزمن 
وأحتاج لشرب الماء بين الآونة والأخرى
نزلت من سيارتى ودخلت حقلا إهتز بسنابل القمح
وأوشك على الإصفرار لأن الفصل يقترب من الصيف

رجوت الله أن يجعل لي مخرجا وأن أعثر على مصدر للماء 
مشيت بضع خطوات بصعوبة وكنت أتثاقل فى مشيتى
وقد يخيل للملاحظ أنني سكرانة أو ربما مجنونة

الشئ الوحيد الذى كان يؤنسني هو زقزقة أسراب الطيور
التى كانت تغير على 
السنابل لتأكل رزقها رغدا بإذن ربها 
لمحت فى وسط الحقل عريشا من قصب 

قلت لعل به أحدا قد يسقيني جرعة ماء 
فما إن وصلت إلى العريش حتى رأيت... وأغمى علي
ولما أفقت من إغمائتي واسترجعت وعيي
وجدت رأسي على زند عدنان وباقي جسدي مستلق
مطروح على حصير داخل 
العريش
قلت لعدنان: ماذا تفعل فى هذا الحقل وحدك؟
أجابني وهو يبتسم: كنت أنتظرك
قلت مستغربة ومعاتبة:
وكيف عرفت أنني سأعثر عليك 

فى هذا الحقل بين السنابل والعريش ؟
أجابني بهدوء: القلب لا يخطئ 

قلت: لقد روعتني يا رجل أتريد هلاكي؟
أنت وحش لايحن ولا يرحم 

عقب على قولي: بل أنا أحبك بطريقتي
لا أطيق العلاقة النمطية بين المرأة والرجل
أبحث عن الحب الذى يثمره العريش بين السنابل
 سألته: وما هى وجهتك الآن يا أحمق؟ 
أجاب: وجهتي وأنت معي أن نصعد إلى القمر
وإذا وجدناه تعولم
ننتقل إلى الشمس ثم الأبعد فالأبعد
حتى نصل إلى مجرة الإنسان
الإنسان المرتوي بالقيم والمبادئ
لنبنى معا قرية الحق والعدل والأمان
فقلت مستغربة: وبيتنا ومدينتنا ووطننا؟
قال: لقد ضاعت الأوطان وحلت محلها الأوثان
ألم تري كيف استقبلك أهل القرية؟
لقد عم البلاء فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس
000
ملحوظة
علاقة زهرة بعدنان
هى علاقة أصبحت نادرة جدا فى هذه الأيام النحسات
فالمتواثر الملموس حاليا
هى علاقة النفعية بكل ما تحمل لفظة نفعية من معانى وأبعاد
فأصبحت الفتاة لا تطلب إلا
" لجمالها أو لحسبها أو لمالها"
وأصبح الفتى لا يقبل إلا
" لماله ونفوذه"
حيث أن هذه العلاقة تنكسر بمجرد أن يمسها زلزال خفيف
بل تنفصم أحيانا بالإبتسامة والعناق بدعوى الرقى
على نغمات راقصة داخل نادى دافئ
فزهرة هى تلك الفتاة المسلمة العالمة بدينها ودنياها
المحافظة على عزتها وكبريائها
الصابرة احتسابا لربها الصامدة فى وجه الزوابع
تريد أن تبقى مع عدنان فى السراء والضراء
دون أن تسحقها قدماه
على قاعدة المودة والرحمة
وهى تعرف يقينا أن عدنان يرتبط بها ارتباطا عضويا
رغم ما يبدو من هروبه نحو المجهول
وأنه صادق فى قوله وفعله
له إرادة صلبة على الصمود أمام التيارات الهدامة
وهو يعتقد جازما أن الله لن يخلف وعده الحق
" ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"
حامد البشير
يوليوز2009

أنا الإنسان

أنا الإنسان 
  
يؤمن الإنسان المسلم بعالم الشهادة وعالم الغيب
ويمر الإنسان حسب التصور الإسلامي من
أربع مراحل وجودية
*الحياة الأزلية ومدتها منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام
إلى بداية تكوين الإنسان فى بطن أمه
*الحياة الدنيوية من المرحلة الجنينية للإنسان فى بطن أمه إلى وفاته
*الحياة البرزخية منذ قبض روحه إلى يوم النشور
*الحياة الأبدية منذ النشور إلى أبد الآبدين بإذن الله إما فى الجنة وإما فى النار
الحياة الدنيا هى دار عمل, وكذلك دار ممر
وهديناه النجدين إما شاكرا وإما كفورا
والتكليف مرفوع على ثلاث: الصبي حتى يبلغ الحلم, والمجنون حتى يعى
والنائم حتى يستيقظ
وتجاوز رب العزة سبحانه وتعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
والإسلام دين يسر لا دين عسر
وباب السماء مفتوح للدعاء
والله يقبل توبة عبده
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله
إن الله يغفر الذنوب جميعا
إنه هو التواب الرحيم

ووظيفة الإنسان فى الحياة الدنيا هى عبادة الله سبحانه
وفق الضوابط الشرعية
على أساس الإخلاص وحسن الإتباع
و للإنسان أربع علاقات
علاقته مع ربه اسلاما وايمانا واحسانا
وعلاقته مع نفسه عملا بالتخلية والتحلية
وعلاقته مع غيره عدلا واحسانا
ثم
 أخيراعلاقته مع بيئته بحسن الإستخلاف وحسن الإستعمار
وهذه العلاقات الأربع تحكمها
عوامل ثلاثة 
عامل الإيمان وعامل الزمان وعامل المكان
عامل الإيمان هو الذى يميز بين المؤمن والكافر والمنافق
فالمؤمن يتحلى بالتقوى والإستقامة والإعتصام
والكافر يتصف بالعصيان والعدوان واشهار المنكر
والمنافق يخفى الكفر ويظهر الإيمان
وعامل الزمان ينقسم إلى ثلاث مراحل: الماضى والحاضر والمستقبل
الماضى يحتوى على سجلات ما قد وقع ويستحيل إرجاعه
والمستقبل يدخل فى الغيبيات ويشتمل على عدة احتمالات
والحاضر هو تقاطع الماضى مع المستقبل
وفيه حركة الأحداث الآنية التى يعاينها الإنسان فى التو
وعامل المكان يفصل بين
ثلاث دوائر
البيت الذى يسكن الإنسان فيه ويحمى فيه أهله
والمدار الحضاري أو القروي الذى يعمل فيه ويتواصل مع مجتمعه
والأمكنة ما وراء المدار التى ينتقل إليها الإنسان استثناء لقضاء بعض أغراضه
وتدخل هذه الأمكنة من المنظور الإسلامي
فى فضاء السفر الذى يجوز فيه قصر الصلاة
رغم الخلاف البسيط بين المذاهب
لا يطمح هذا المقال إلى معالجة كل المفاهيم المذكورة أعلاه
لأن الأمر يحتاج إلى آلاف الصفحات الإلكترونية
ولكن يسعى المقال إلى إلقاء بعض الضوء
على عامل الزمان أو البعد الزماني
أو بالأحرى
كيف يتعامل الإنسان مع الزمان
ولانريد أن نذمج تدبير الوقت فى هذا المقال
فهذا الموضوع له معالجته الخاصة به
ويمكن التوسع فيها لاحقا فى مقال آخر
من الناس من يتعامل مع الزمان عبر مراحله الثلاث
الماضى والحاضر والمستقبل
ومن الناس من يتعامل مع الزمان فى مرحلتين إثنيثين فقط
إما الماضى والحاضر
أو الماضى والمستقبل
أو الحاضر والمستقبل
ومن الناس من يتعامل مع الزمان فى مرحلة واحدة:
إما الماضى فقط
أو الحاضر فقط
أو المستقبل فقط
وللتنبيه أو التذكير من أوجب واجبات المسلم
أن يتعامل مع الزمان عبر كل مراحله الثلاث
وكل الحالات الأخرى هى حالات ناقصة وقد تفسد تصورالإنسان للحياة
وتمنعه من الرؤية الصحيحة للأحداث والظواهر
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
حامد البشير
يوليوز 2009
  

الأمس البعيد

الأمس البعيد

قصة قصيرة مقتبسة من طفولتي
أيام كنت أرافق أبي إلى عمله
خلال عطلة الشتاء أو الربيع أو الصيف
كانت هذه حال كل الأطفال
فبدعة الإصطياف أو الإشتتاء لم تظهر بعد
وكانت تربية الأطفال ترتكز على دعامتين
التعليم فى المدرسة
والتكوين بالنسبة للطفل فى حقل أبيه 
أو معمله أو متجره
وبالنسبة للبنت تساعد أمها فى شئون البيت
إنه الأمس البعيد,,, البعيد جدا
رغم مرور قرابة ستين سنة
فاليوم لا يخطر على بال الأب
أن يدمج ابنه فى عمله 
أو تشجع الأم ابنتها على مساعدتها
إلا النادر والنادر لا حكم له
بل نلاحظ أن الآباء يحتجون على المدرسة
كونها ترهق كاهل التلاميذ بالفروض؟؟؟
 عندما استيقظت قبل الفجربلحظات قلائل
لم تكن الطيور قد غادرت أوكارها وأعشاشها بعد
ولم تكن النجوم قد أعدت حقائبها للرحيل
خرجت من البيت والأهل نيام
وخرجت من الحي والبيوت فى سبات عميق
إلا من بعض القطط التى كانت تبحث عن آخر صيد
من الفئران التى تغامر بالخروج 
لعلها هى الأخرى تعثر على قوت آخر الليل
مررت بإدريس البيات وهو مستلق على ظهره
وشخيره المرتفع دليل على عمق رقاده
ابتعدت عن الحى متجها إلى بوابة دكالة
حيث انتقلت إلى خارج المدينة العتيقة
التقيت بقافلة من الباعة الذين يأتون من الضواحى
ومعهم حميرهم محملة بالخضر 
من طماطم وجزر وقثاء وبطاطس وفلفل وغيرها
قصد بيعها فى أسواق الخضر التى تقع على أسوار المدينة
اقتربت من المسجد الأهلي لسيدى أبى النور بضاحية المدينة
لأن أذان الفجر وشيك وقفت بباب المسجد
إذ فعلا شرع المؤذن فى النداء أن حي على الصلاة
وقفت بجانبي جماعة من المصلين من بينهم ابراهيم النجار
الذى يعمل خارج المدينة فى معمل للنجارة بالقرب من محطة القطار
دخلنا المسجد قمت بتحية المسجد وصليت ركعتي الفجر
ثم جلست أردد بعض الأدعية ثم صلينا الصبح
وراء الإمام الفقيه صالح المنتدب للإمامة فى المسجد
غادرت المسجد نحو الورش الذى يعمل فيه أبي رئيسا
بدأت الطيور تغادر أوكارها
وبدأت النجوم تجمع حقائبها الواحدة تلو الأخرى
وبدأت بشائر الشمس تظهر على أديم السماء
الفصل فصل شتاء إلا أن السماء لم تكن غائمة
ولا شئ يشير أن المطر قادم من جهة الغرب
إلا أن الطقس بارد وشعرت بالبرودة أكثر
لأنني ما زلت صفر البطن منذ المساء البارحة
دخلت الورش وسألت عن المعلم أين هو
والمعلم هو اللقب الذى يعرف به أبي فى الورش
وحتى فى أغلب فضاءات المدينة
دخلت المكتب الصغير المصنوع من ألواح خشبية
وسقفه من صفائح معدنية للوقاية من المطر
رأيت المعلم متكئا على طاولة الرسم
وعلى سطحها تصاميم تتعلق بأشغال الورش
رأيته وفى يده قلم رصاص وعلى عينيه نظارتان لتحسين الإبصار
على الطاولة كذلك رزمة من التصاميم ودفتر متوسط الحجم
يدون فيه المعلم المعلومات التى تساعده على إدارة وتدبير الورش
بجانب المعلم مساعدان
كل واحد منهما يحمل على عاتقه مسؤولية قسم من أقسام الورش
وقفت على بعد مترتقريبا من الجانب الأيسر للطاولة
وعلى زاوية تسمح لى أن يلحظني المعلم
لا يجوز لى أن أتكلم والمعلم يعطى الشروحات للمساعدين
ولكن شعرت بأن المعلم قد لمحني
وعرف أني وصلت إلى الورش قبل انطلاق الأشغال
لو وصلت بعد بداية الأشغال لكانت الصاعقة تنزل بأم رأسي
لأن المعلم لا يقبل أن يأتى مستخدم ولو بدقيقة بعد الإنطلاقة
وهو الذى يصل دائما إلى العمل قبل أى كان
التفت إلي المعلم مبتسما وأشار إلي أن أرافقه خارج المكتب
كان على يمينه المعلم عباس المسؤول عن أشغال الخرسنة
وعلى شماله المعلم حسن المسؤول عن أشغال الصلب والحديد
أشار إلى حارس الورش أن يدق ناقوس إنطلاقة الأشغال
كان العمال واقفين على شكل صفوف متراصة
كل صف يرأسه ضابط صف
مجموعة الحفر وإعداد الأسس
مجموعة معالجة الحديد وصناعة الهياكل
مجموعة معالجة الخشب وصناعة الصناديق
مجموعة معالجة الخرسنة
مجموعة الأدوات والآلات
مجموعة الصيانة وتفريغ الورش من الزوائد والأتربة
كان المعلم يمشى ويتفحص كل مجموعة على حدة
وكان هذا ديدنه كل صباح قبل الشروع فى العمل
إذ كان يقول: إتقان الأشغال تبدأ بضبط الإنطلاقة
كان يخرج من الصف كل عامل يبدو عليه أثر التعب أو المرض
لأنه يعتبر أن عاملا غير قادرعلى القيام بمهمته 
يؤثر سلبا على سير الأشغال
بعد عملية مراقبة لياقة العمال 
أعطى المعلم أمره لإنطلاقة العمل الفعلي
تابع دورته داخل الورش 
حيث أعطى تعليماته الخاصة 
بكل قسم من أقسام الورش
وكان يقول للمعني بالإنجاز: 
هل فهمت؟ أليس هناك من سؤال؟
وخلال دورته كان ينظر إلي بعين المراقب المتتبع ويسألني:
 المدرسة شئ جميل
لها فوائدها فالعلم نور 
إنما العلم علمان 
علم نظري وهو ما تحصل عليه فى المدرسة
وعلم عملي وهو ما تحصل عليه فى المعامل والأوراش
ولا قيمة للعلم النظري فى غياب العلم العملي
واسترسل فى التو لتطبيق هذه القاعدة 
وأوعز إلي أن آخذ مطرقة وأقوم بمعالجة حجر 
وأضعه على جذار كان حيز الإنجاز
أنجزت الأمر إذ عالجت الحجر 
ووضعته فى الموضع المناسب
ولم تكن هذه أول مرة أقوم بهذه العملية
بل عودت نفسي أن أكون دائما على أعلى استعداد 
لتلقى التعليمات من المعلم
إبتسم المعلم إشارة أنه مطمئن للتدريب 
الذى أتابعه تحت عينه
وكانت تبدو على وجه المعلمين عباس وحسن 
علامة الإرتياح أن ابن المعلم 
ماش على خطى أبيه بتدرج مناسب
كنت دائما أقترب من المساعدين لأستفيد منهما قدر الإمكان 
سيما إذا كان المعلم خارج الورش لسبب من الأسباب
أطلت شمس الضحى من بين غيمتين كانت تتحرك نحو الأطلس
دق ناقوس التوقف عن العمل لتناول وجبة الإفطار
جلس المعلم على لوحة خشبية موضوعة على حجرين كبيرين
وأمام هذه اللوحة مائدة مركبة من أجزاء يسهل فصلها بسرعة
على المائدة أكواب زجاجية وإبريق معدني يتصاعد منه
بخار الشاى بالنعناع
وبجانب الإناء رغائف من الخبز وصحن من السمن
وصحن آخرمن الزيتون
تناولنا طعام الإفطار
ثم غسلنا أيدينا بالماء والصابون
ثم التحقنا بالعمل ثانية وبقينا ننتقل من مكان إلى آخر
داخل الورش حتى الساعة الواحدة بعد الزوال تقريبا
أوشك وقت صلاة الظهر
أمر المعلم بوقف الأشغال لأداء الصلاة
أذن أحد العمال وكان صوته رخما مؤثرا
ثم أم المعلم بنا الصلاة
وبعد أدائها توجهنا إلى مائدة الطعام 
حيث تناولنا ما كتب لنا الله من طعام وشراب
كان المعلم يقيل بعد تناول طعام الغذاء
استلقى على صف من أكياس الإسمنت ثم أسلم نفسه للنوم
دامت القيلولة بضع دقائق ثم استيقظ وغسل وجهه ويديه 
ثم التحق بمكتبه
رافقت أنا المعلم عباس ولم أفارقه حتى صلاة العصر
صلينا العصر جماعة تحت إمامة المعلم حسن
ثم رافقت المعلم حسن فى جولته حتى المساء
دق ناقوس نهاية الأشغال 
وقام العمال بوضع أدوات العمل فى مكانها المناسب
وقامت فرقة الصيانة بتنظيف الورش
ثم بدأت عملية غسل الوجوه والأطراف 
لأن المعلم كان يمنع أن يغادر عامل من العمال
الورش وعليه أثر الغبار
غادر العمال الورش وبقى المعلم مع مساعديه 
حيث قدم لهما برنامج الغد
ثم ركب دراجته النارية وأشار إلي أن أركب معه
غادرنا الورش وفي طريقنا إلى البيت دخلنا مسجد البوابة 
حيث أدينا صلاة المغرب
ثم التحقنا بالبيت حيث ينتظرنا الأهل
سلمت على أمى وعمتى وخالتى
تناولنا طعام العشاء وهو عبارة عن الأرز بشئ من اللبن الساخن
خرجت مع أبى إلى مسجد الحى لأداء صلاة العشاء
ثم بعدها رجعنا إلى البيت للنوم
إذ أن الغد ينتظرنا لإنجاز وصلة الأخرى من العمل فى الورش
هذا اليوم هو نموذج من أيام العطلة الشتوية التى كنت أقضيها برفقة أبي
فى عمله ولقد أثرت هذه التجربة فى مساري المهني والإجتماعي
إنه الأمس البعيد من حيث دقات الزمان
لكنه القريب من حيث دقات الوجدان
حامد البشير
يوليوز 2009
  

أنا البيت

أنا البيت

 كنت تائها فى الوجود
أبحرت على متن زورق بدون شراع
أبحرت والشمس فى كبد السماء
لا أعرف وجهة الشرق من وجهة الغرب
وهل الشمال أمامي أم خلفى
أردت أن أسأل أهل الذكر
أسألهم لعلهم يدلونني على وجهة أوليها
لكن الشاطئ خال من كل ذكر
إلا من أصوات
من يمشى على أربع
أو على اثنين
أو يزحف على بطنه
حتى الطيور اختفت عن بصري
ورغم ذلك أبحرت
لأنني قررت أن أغادر هذا الشاطئ
الذى لا يطمئن إليه قلبي
أبحرت بدون بوصلة
لا عفوا معى بوصلة
لكنها معطلة ابرتها لاصقة بجهة الشرق
وكأنها بلسان حالها تقول لي توجه إلى الشرق
لكن يا بوصلتي المسكينة
أين هو الشرق
فأنت معطلة منذ زمن طويل
و يقولون أن الشرق كذلك معطل
أطلت علي سمكة من الجانب الأيمن من الزورق
ونادتني باسمي
يا ابن آدم أتريد التوجه إلى الشرق
فأنا أدلك
ألم أدل من قبلك جحافل من التائهين
إتبعني لاتخف هى مسألة ثقة
وإلا ستبقى تتحرك على طول الشاطئ
وتظن أنك تبحر نحو الشرق
ولكنك لا تتقدم نحوه قيد ميل
وربما توغلت فى عمق المحيط بدون دليل
فتجد نفسك محاطا بالأمواج من كل الجهات
وقد تفاجئك العاصفة الهوجاء
والمحيط تتداوله العواصف
وإلا ليس بمحيط
بل مجرد بحيرة
هيا إذن
لا تضيع الوقت فى التردد
فإن التردد متبط للعزائم
فقلت فى نفسي
ما دمت أني إتخذت قرار مغادرة هذا الشاطئ
الذى توقفت فيه الكرامة منذ زمان
ما دمت أني أريد وجهة الشرق الذى كان وجهة كل الشجعان
فإلى الأمام
قلت لذراعي لا تخوناني
إياكما والعياء جذفا حتى مطلع الفجر
لا تنيا ولا تفلا
صاحت بي السمكة
هيا فإن الغروب قد أوشك
وأنا لا أبقى قرب الشاطئ عند الغروب
فإن الغرب أكول مفترس غدار
وإنه يغير بدون سابق إنظار
تحرك الزورق وكأن جاذبية تشده إلى السمكة
لا تتركه ينحرف جنوبا ولا شمالا
وشمس الغروب تغمزني أن أترك السمكة
وأن أتبعها نحو الغرب
ومن يقظة السمكة أنها تناديني كلما أحست بفتور يأخذني
إياك وشمس الغروب
إنها مضللة
وإذا بغول المحيط يشق المياه جبلين كالطودين
كاد الزورق أن يغرق وتبتلعه الأمواج
نادى الغول بأعلى صوته الذى يصم آذان الحيتان
لا تتبع هذه السمكة الحقيرة
التى لا تغنى ولا تسمن من جوع
اتبعن أنا القوى الجبار فى هذه البحار
أنا المهيمن على اليايسة كلها
أنا الذى أركعت الأمم كلها
الشرق وما الشرق؟
تلك أمم قد خلت أصبحت أثرا بعد عين
أتريد أن تبحث عن التخلف والتقهقر والتردى
أتريد أن تبقى فى دوامة الأساطير والخرافات
فتوجه إذن إلى الشرق
الشرق الذى عشعش فيه الوهن والسبات
إتبعن يا ابن آدم
فأنا الخلاص
وأنا السعادة
وأنا الخلود
بحثت ببصري عن السمكة
لعلها تملك عصا سحرية
فتبعد الغول عن طريقي
فلم أجدها
حزنت وبكيت
وخفت من هول الإتباع إلى المجهول
وضعت يدي على عيني
حتى لا أرى المسار والمسير
وأحسست بالزورق يسبح فى المحيط بسرعة فائقة
وأنا لا أجرؤ أن أفتح عيني
لكى لا أرى الواقع
ولا أرى الحقيقة المرة
غابت الشمس
وانتشرالظلام بثوبه الأسود على طول السماء وعرضها
ولا أثر للسمكة الهادية
والبوصلة ما زالت معطلة
ولا فيروز فى الأفق يشير إلى الشرق
وحتى الغول اختفى من المحيط
استلقيت على ظهري داخل الزورق
والزورق يتأرجح فى كل اتجاه
أخذني نوم عميق
فخرجت من هول ما كنت فيه
وما إن فتحت عيني على مطلع الشمس
حتى وجدت زورقي يرسو على شاطئ النور
وسمعت البيت يناديني
يا من يبحث عن الشرق
لقد وصلت
ليس إلى الشرق الجغرافي
ولا إلى الشرق التاريخي
ولكن إلى بيت الإيمان
الذى بناه خليل الرحمان
---0---
مطلع الثلاثية
لبيك اللهم لبيك
لا شريك لك لبيك
ان الحمد والنعمة لك والملك
لا شريك لك لبيك
رحاب الهدى يا منار الضياء
سمعتك فى ساعة من صفاء
تقول أنا البيت
ظل الإله
وركن الخليل أبي الأنبياء
أنا البيت قبلتكم للصلاة
أنا البيت كعبتكم للرجاء
فضموا الصفوف
وولوا الوجوه
إلى مشرق النور عند النداء
وسيروا إلى هدف واحد
وقوموا إلى دعوة للبناء
يزكى بها الله إيمانكم
ويرفع هاماتكم للسماء
حامد البشير
يوليوز 2009
   

لغة الورد

لغة الورد

!الورد...
لا أظن أن هناك نباتا تغنت به 
شعوب حوض الأبيض المتوسط أكثر من الورد
أكيد أن القمح والكلأ احتلا موقعا خطيرا فى حياة الإنسان
الأول على رأس قائمة طعامه الأساسي
والثاني على رأس قائمة علف حيواناته
لكن اهتمام الإنسان بالقمح والكلأ 
كان وما يزال بدافع الضرورة
لأن المسألة تتعلق بالحياة أوالموت
وعبر تاريخ البشرية الضارب فى الزمن
اندلعت حروب طاحنة بين قبائل وشعوب 
من أجل القمح والكلأ
وتأسست مملكات وأمبراطوريات 
على أساس القمح والكلأ
فحاجة الإنسان إلى القمح والكلأ 
مثل حاجته الملحة إلى الهواء والماء
واشتعلت كذلك نيران الحروب 
التى أودت بحياة شعوب وقبائل
من أجل الماء ومنابع الماء
لأن الأمر يتعلق بوجود الإنسان
أن يكون أو لا يكون
لقد انبهر الإنسان وأعجب 
بجمال الكون الذى يعيش فيه
بجمال البيئة الطبيعية التى يعيش فيها
من جمادات وحيوانات ونباتات
جمال الأحجار الكريمة
من زمرد وزبرجد وماس ولؤلؤ ورخام
وجمال الحيوانات
من خيل مسومة وكلاب حراسة وقطط أليفة
وطيور مثل الطاووس والكروان والبلبل
وجمال النباتات
من أشجار مثمرة وغير مثمرة
ومن أزهار كالورد والأقحوان والفل والياسمين
والذى أثار انتباهى
كما أثار من قبلى انتباه الشعراء والتشكيليين
هو الورد ومكانة الورد فى قلب الإنسان
حيث ربطه بأحواله ومناسباته
وخصص له حيزا مهما فى بيته وحديقته
فوددت أن أخصص له هذا المقال
أكيد أن الإنسان يرتاح إلى الأزهارعموما
لأشكالها وألوانها وروائحها
بل ويستعمل بعضها فى طعامه ودواءه وعطره
إنما الورد أخذ حصة الأسد من حيث الإهتمام والعناية والتفضيل
من طرف الإنسان إلى غاية أنه وظفه فى أشعاره وأغانيه
بل وأضفى عليه رمزية ونحت منه لغة خاصة
فكل شكل له دلالة خاصة بمناسبة
وكل تركيبة من أشكال معينة تقرأ كرسالة
 000 
أهدى هذه الباقة من الورد
إلى عشاق الورد

يعشق الورد
لعطره لشكله
أو للونه
أنا يا فاتنتي أحبه
لمناعة فى حصنه
فالورد الجميل بدون شوكه
عشب حقير كغيره
والورد الطليق فى روضه
أبهى من ذاك فى إينائه
بقلم حامد البشير
1967فبراير