mercredi 23 août 2017

على هامش القراءة والكتابة

على هامش القراءة والكتابة

كلنا نعلم أن الكتابة جاءت متأخرة
فى تاريخ البشرية.
كان الإنسان يتواصل شفويا مع أهله وجيرانه ومحيطه الإجتماعي.
وكان الإتصال بين البلدات عن طريق الرسالة الشفوية
التى ينقلها المرسول من المرسل إلى المرسل إليه.
ثم جاء عهد الكتابة عندما اكتشفت الحروف
التى كانت تنقش على الحجر, وتجوف على ألواح الطين,
وترسم على البردى, وأوراق الشجر وعظام الحيوانات.
ثم بعد قرون بل ربما آلاف السنين, اكتشفت صناعة الورق
التى فتحت الباب ومهدت الطريق لإنتشار الكتابة
التى تعد الركيزة الأساس للمعرفة والثقافة.
واكتشاف الورق ينسبه الغرب إلى الصين,
كما نسب كثيرا من الإكتشافات والإختراعات للصينيين,
هذه الأمة العريقة التى منذ أن دخلت التاريخ
لم تخرج منه إلى الآن,
بل لقد أصبحت تفرض وجودها على الساحة الدولية,
أكثر فأكثر بفضل إصرارها على التمكين والهيمنة,
وهى ماضية فى هذا الإتجاه لا يمنعها مانع.
ومع ذلك نحن نصر على أن الأمة الإسلامية
منذ نشأتها مع البعثة النبوية,
وعبر الزمن, أعطت إلى البشرية ما لم تعطه الصين,
وما لم يدعيه الغرب لنفسه كعطاء.
ومن بين هذه الإكتشافات والإختراعات,
صناعة الورق التى انطلقت من مدينة سمرقند المسلمة.
إن العرب هم أول من استعمل الحروف الأبجدية,
هذا الإكتشاف الذى انتشر شرقا وغربا,
ليصبح الأداة المركزية والأساسية للتواصل.
كما أن الكتابة ساهمت فى إنشاء أمبراطوريات عملاقة
بسطت نفوذها عبر أقطار شاسعة.
وكذلك لعبت الكتابة دورا كبيرا فى نشر العلوم وتعميقها,
وتحريرها من الأساطير والخرافات.
إن الموضوع الذى نحن بصدده 
لا يسعى إلى المساهمة فى تاريخ الكتابة,
أوالبحث فى أصولها وجذورها, 
وتطوراتها الآلية والتكنلوجية,
أوتحليل مجالاتها ومراميها.
الموضوع بكل بساطة يهدف إلى إلقاء بعض الضوء
على العلاقة الجدلية بين الكاتب والقارئ
فى المجال الثقافي بوجه عام والمجال الفكري بوجه خاص.
لماذا يكتب الكاتب؟
لماذا يقرأ القارئ؟
وهل هناك خيط رابط بين الكاتب والقارئ؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها,
لابد من استكمال هذه التوطئة.
هناك الكاتب المهني الذى يحترف الكتابة ارتزاقا,
فالأداة التى يعمل بها هى القلم,
 والمعمل الذى ينجز فيه نشاطه هو المكتب,
أو البيت أو أي مكان آخر يمكنه من مزاولة نشاطه.
ولقد أدخلت التكنلوجيا الحديثة أدوات أخرى
مثل الحاسوب وكل الأجهزة المحيطة به والمكملة له.
كما أن ثورة الإتصال والمعلومات قد غيرت من صيغ التواصل
بين الناس وأنشأت فضاءات جديدة للمحادثة بالصورة
والصوت والكلمة الرقمية المسطورة والمرموزة.
لقد أصبحت فعلا تعيش البشرية فى قرية صغيرة,
بفعل سرعة الإتصال التى تهزم الخيال والتصور.
ولأن الثورة المعلوماتية قد أدخلت الإنسان فى عوالم افتراضية,
ولأن المعلومة أصبحت تسافر عبر الأقمار الإصطناعية
لا يعرقل مسارها المكان أو الزمان,
ولأن الأدوات التى تستعمل لهذه الأغراض أصبحت متنوعة ومتطورة,
بل وتزداد دقة وفعالية على مدار الساعة,
فإن الكاتب أصبح هو الآخر متحررا من كل القيود مهما كثرت.
لقد أصبح فى إمكانه أن يكتب أو يقرأ وهو فى حركة ذائبة
وتنقل مستمر دونما كلل ولا ملل.
إن الكاتب المحترف يعمل عادة على أساس تعاقد 
مع شخص مادى أو معنوي,
طبقا لشروط تحدد مجال الكتابة والأهداف المتوخاة من ورائها.
لنضرب مثلا الكاتب الصحافي داخل مؤسسة صحافية.
فعمله الصحافي لا يخرج عن المجال ولا يتجاوز حدوده.
وقد يكون الكاتب الصحافي مستقلا,
وفى هذه الحال يبحث عمن ينشر مقالاته بمقابل مادي أو بدونه.
ويمكن أن نعطى أمثلة أخرى فى مجالات الفكر والآداب والعلوم,
تأليفها وطبعها ونشرها وتوزيعها,
ومتابعة استهلاكها لمعرفة مردوديتها المادية والمعنوية,
وأثرها الإيجابي أو السلبي على جمهور القراء,
وعلى المحيط الإجتماعي الذى يحيط بالقراء ويتأثر بهم.
وهناك الكاتب الحر فى تفكيره يؤمن برسالة أفرزتها
الظروف الطبيعية والإجتماعية والنفسية
التى عاشها وما زال يعيشها,
وكذلك المؤثرات الثقافية والفكرية التى شكلت هويته.
فعادة ما يكون هذا الكاتب المفكر الحر
 يعزف خارج السرب الثقافي الرسمى,
فهو يحمل فى عقله زادا ثقافيا حركيا
 يريد أن يساهم به فى تغيير الأوضاع السائدة.
التى يراها متجاوزة, أصابتها البداءة,
 ويعمل على إصلاح الخلل الذى أصابها 
 أو العمل على تغييرها جذريا إن أمكن ذلك.
تبث عند علماء الأرض أنها تتزلزل من حين لآخر,
وتنفجر فيها براكين من حين لآخر,
وتتمخض أجواؤها على صواعق وأمطار,
وتهتز بحارها أمواجا كالجبال,
وتفيض أنهارها على الضفاف والربوات,
وتحترق أدغالها فى بعض الظروف,
 فتقضى النيران على الأخضر منها واليابس.
فبعد تتبعهم لهذه الظواهر ورصدها وتحليلها واستكناه خباياها,
  أدركوا أن لها فوائد لا تحصى ولا تعد,
 على توازنات الأرض وضوابط الحياة
التى تسري فى عمقها وعلى سطحها وفى أجوائها.
فكذلك الشعوب والأمم لا يستقيم حالها لا بالجمود ولا بالجحود.
ولكن بحركية الإصلاح الذى لا تتوقف,
وبالثورة الخلاقة التى تنبع من رحمها.
أما الفوضى الخلاقة التى يسلطها عليها أعداؤها,
فلن تتمخض إلا على الدمار والزوال. 
والثورة الخلاقة تحتاج إلى الحكم الرشيد
 الذى يستمد وجوده من الشورى الحكيمة.
إن المجتمع الراشد هو المجتمع الذى لا يعمل على طرد أبنائه,
بل يعمل على تربيتهم وتنشئتهم,
وتكوينهم ليصبحوا قادرين على الإنجاز والإبداع,
 لهم كامل الإستعداد للمساهمة فى بناء صرح الوطن.
ومن مواصفات المجتمع الراشد المنجز, أنه مجتمع يكتب ويقرأ.
ويفهم ما يكتب ويراجع ما يكتب لكى لا يكون حاطب ليل.
وأنه كذلك يقرأ ويفهم ما يقرأ 
لكى لا يكون كالدابة التى لا تعرف ماذا تعلف.
ولا يمكن للمجتمع أن يكون راشدا وجل أهله أموات 
قتلتهم الأمية وأقبرهم الجهل.
تظنهم أحياء يمشون على أرجل 
ولكنهم لا يفقهون الوظيفة التى خلقوا لأجلها,
ولورأيتهم يتألمون ويعانون,
 لأن المصائب والكوارث والمظالم تحتاج إلى فهم ووعى.
المجتمع الراشد المنجز يعمل ليل نهار, لا يتكاسل ولا يتهاون,
همه الأكبر هو بناء الإنسان الصالح المصلح.
فكيف الوصول إلى هذه الغاية
 إذا لم نعلمه كيف يأخذ بناصية القراءة والكتابة.
إقرأ لأسمع كيف تقرأ, 
ولأحاورك فيما فهمت من النص الذى قرأت
فأصنفك هل أنت من الأذكياء أم من الأغبياء.
أكتب لأقرأ ما كتبت,
 ولأحاورك فيما كتبت, لم كتبته وكيف كتبته,
فأصنفك هل أنت من الصادقين أم أنت من الكاذبين.
إننا نلتقي, خلال مسيرتنا الثقافية, بأناس درسوا فى الجامعات,
وتخرجوا منها أطباء, وصيادلة, وقضاة, ومحامين,
 ومهندسين وغير ذلك من التخصصات.
ولكن بعضهم لا يهتم بالجانب الثقافي والفكري.
بل على العكس يراه مضيعة لوقته النفيس لا غير,
فهو منفصل عما يجرى على هذا الكوكب,
من كوارث وحروب وويلات ومظالم ومحن وفتن.
بل تراه يتضجر من الخوض فى هذه الأمور,
التى تقلق راحته, وتبلبل مزاجه.
يقول لك أنه يكدح طول النهار والليل لا يكفيه للراحة,
ويقول لك أنه يعمل طيلة الأسبوع
 ويوم العطلة الأسبوعية لا يكفيه للإستراحة,
ويقول لك أيضا أنه يعانى من عمله المضنى على مدار السنة,
فمن حقه أن يذوق طعم السياحة خلال عطلة صيفية,
بل يقول لك ناصحا بأن العمر لو تدرى قصير,
 وأن لك الساعة التى أنت فيها.
تراه يقضى يوميا ساعات أمام التلفاز,
لأنه يتمتع بمباريات الكرة, أي كرة كانت وكيفما كان لونها وحجمها,
كرة القدم, كرة السلة, كرة اليد, كرة المضرب,
 كرة الغولف واللائحة تطول...
 هذا بالإضافة إلى أشكال وألوان 
من الألعاب الرياضية الأخرى وغير الرياضية,
فصاحبنا يعرف عنها الكثير,
 عن تاريخها وفنونها وتنظيماتها.
وإذا سألته عن القضية الفلسطينية مثلا,
 يجيبك بكلام مذبذب سطحي غاية فى التفاهة,
ثم يختم:" ما لنا والفلسطينيين؟
هيا بنا نتفرج على عادل إمام فى فيلم السفارة فى العمارة"
وإذا دخلت فى حوار مع هذا النموذج من الجامعيين,
فإنك تلمس أن السطحية هى السمة الغالبة عليه.
وإذا سألته عن مستقبل ابنه كان الجواب جاهزا:
" ابنى له حرية الإختيار عندما يحصل على الباكلوريا"
وعندما تقترب من الإبن, تجده غارقا فى ماديات الحياة حتى النخاع.
 كما قد تلتقى بأساتذة جامعيين لهم كراسى ومدارج,
ولهم حشود كبيرة من الطلبة والطالبات,
كلهم أو جلهم ممتازون فى مجالهم المهني,
متميزون فى عطائهم الأكاديمى,
لكن لا يعيرون للثقافة والفكر إلا النزر القليل من الوقت والجهد.
فهذا النموذج من الأساتذة الجامعيين يقول لك:
" يا أخي بالله عليك متى سأجد الوقت للثقافة والفكر,
وأنا أعطى كل وقتي وجهدي للجامعة,
فمن المدرج إلى البحث العلمي,
ومن هذا إلى المشاركة فى الملتقيات,
والمنتديات والمناظرات والمؤتمرات.
فقل لي بربك متى تريدني أن أنكب على ما يجرى
فى الساحة العربية أو الغربية أو غيرها؟"
فإذا كان خريج الجامعة لا يهتم بما يدور حوله من أحداث جسام,
تشيب لها الولدان.
وأخونا يلتمس لنفسه الأعذار.
أحداث تتعلق بأبحر من دماء الأبرياء,
تسيل هنا وهناك, وأخونا لا يأبه بها,
اللهم إلا إذا مر عليها مر الكرام 
خلال نشرة مقتضبة للأخبار.
أحداث تتعلق بالجوعى والمرضى 
عددهم بعشرات الملايين,
قد يتحدث عنها صاحبنا 
كما يتحدث عن الجفاف الذى أصاب الأدغال.
فإذا كان هؤلاء كذلك, 
فلماذا نلوم الإنسان الأمي
الذى لم يسعفه الحظ لولوج مدرسة 
ولو يوما واحدا فى حياته؟
 حامد البشير المكي
 شتنبر 2011


على هامش الثورة والإصلاح

على هامش الإصلاح والثورة

لا يتعلق الموضوع بالمجتمعات الغربية فحسب,
 سواء الأوروبية بشقيها الغربي والشرقي من جهة,
 أو من جهة أخرى, الأميركية بشقيها كذلك الشمالي والجنوبي,
 ولكن يشمل كذلك المجتمعات الشرقية,
 أكانت تنتمى إلى الشرق الأدنى 
أم الشرق الأوسط 
أم الشرق الأقصى,
 حسب التقسيم الذى اصطلح عليه الغرب نفسه,
 إذ ينظر إلى القارة الأوروبية أنها مركز العالم,
 وأن باقى المعمور هى أطراف باتجاه الشرق,
كما يعتقد أن جنوب المتوسط حزام إفريقي أخضر,
تحده صحراء قاحلة وأدغال كثيفة.
أما فى جهة الغرب, فهناك بحر الظلمات,
لا يدخله إلا مغامر يبحث عن الهلاك.
والغريب فى نفسية الغرب أنه, 
بعد سقوط غرناطة المسلمة,
 جهز حمالاته باتجاه القارة الأميركية,
 مدعيا أنه هو الذى اكتشفها,
وأطلق عليها اسم العالم الجديد,
 فى مقابل العالم القديم الذى تنص عليه توراته,
 إذ حسب زعم الكنيسة أن الرب,
 بعدما انتهى من خلق العالم القديم,
 شرع فى خلق عالم جديد,
 ومن هذا المنظور يدعى الغرب,
 أن العالم الجديد هو هبة ربانية لأهل التوراة:
 أرضه وما تحت الثرى وما فوقه من ثروات,
 بما فيها من كائنات تشبه الآدميين,
 وهى فى الحقيقة, دائما حسب زعم الغرب,
 حيوانات خلقت لتخدمه ويستأنس بها.
هذه الحيوانات هى التى ستعرف فيما بعد بالهنود الحمر,
ثم بعد ذلك بقرون بالسكان الأصليين .
وحتى لا نطيل فى هذا الإتجاه,
 لأن الموضوع يهتم أساسا بالإصلاح والثورة,
 فإن المجتمعات الغربية, 
التى دخلت إلى التاريخ مع نشأة اليونان القديمة,
 ثم روما الإستعمارية, التى بنت أمبراطوريتها بالحديد والنار,
 على كاهل شعوب تحيط بها من الجهات الأربع,
 أبادت بعضها بالكامل,
 واستعبدت البعض الآخر شر استعباد,
 إلى أن شاء الله أن تنكسر شوكتها على يد الفتح الإسلامي,
الذى حرر الشعوب من ربقة الذل والإستعباد.
إن الشعوب الغربية, التى تأسست كياناتها الحديثة فيما بعد,
  حسمت أمرها بالتدريج عبر الزمن.
 حيث ظهرت حركة الإصلاح فى المجال الديني,
 وبرزت حركة النهضة فى مجال العلوم والصناعات والفنون والآداب.
 وواكب هاتين الحركتين مخاض عسيرعلى مستوى الفلسفة والفكر.
 ثم مع بداية القرن الثامن عشر الميلادي,
 جاءت حركة الأنوار لتجدد التصور الفلسفي,
  للغيب والوجود والإنسان والحياة.
 وغيرت الوجهة نحو الفكر المادي
 الذى سيصبح مهيمنا على الوجدان والعقل والضمير.
 الأمر الذى سيرغم الفكر المسيحي الكنسي على التقهقر والإنحسار.
 ثم ما فتئ القرن الثامن عشر أن ينقضى
 حتى انفجرت الثورة الفرنسية التى يطلق عليها لقب أم الثورات.
 والتى عملت على تقويض الأنظمة الملكية والإمبراطورية
 التى تستمد وجودها مما يسمى بالحق الإلهي,
 حيث أن الملك أو الأمبراطور كان يحكم بموجب صك من السماء,
 فلا يحاسبه أحد من أهل الأرض البثة.
 فمثلا فى عهد الملك لويس الرابع عشر بفرنسا,
 الملك الشمس,
 كان يشاع أن ما يتفوه به الملك يعتبر تشريعا
 يلزم الرعية لتمتثل له وتنصاع دون قيد أو شرط.
 فالثورة الفرنسية اكتسحت كل القارة الأوروبية أو كادت,
 من الغرب إلى الشرق, ومن الجنوب إلى الشمال,
كما تنتشر النار فى الهشيم.
 فأسقطت عروشا وهزت أخرى,
 وزرعت فى وجدان الشعوب الأروبية,
 الشوق إلى الحرية والرغبة فى الإنعتاق.
لكن الطبقة البورجوازية التى كانت بمثابة اليد الخفية
 التى تحرك دواليب الدوائر الثائرة,
 بفضل الثروة الضخمة التى كدستها عبر العقود  المتتالية
 منذ عصر النهضة أو قبلها بقليل,
 استعانت بالجماهير لإسقاط العروش,
 واستغلت نفس الجماهير لمصالحها الفئوية,
 فأقامت نظاما جديدا, ظاهره خير وباطنه شر,
 نظاما عرف بالنظام الديمقراطي,
فى بعض الحالات جمهورية صرفة كما فى فرنسا,
وفى أخرى, ملكية برلمانية كما فى ابريطانيا,
 يرفع شعار الحكم "من الشعب وبالشعب وإلى الشعب",
 وهو مجرد مغالطة مكنت الطبقة البورجوازية,
 وخاصة العليا منها,
 من الهيمنة على مراكز القرار, إلى يوم الناس هذا.
 وكما قال ويستن تشورشيل:
" الديمقراطية نظام سيئ, ولكنه الأقل سوء مقارنة بالأنظمة الأخرى"
 ومنذ بزوغ العهد الصناعي مع مطلع القرن التاسع عشر الميلادي
 على وجه التقريب,
 أصبحت أسواق العمل فى حاجة ماسة إلى اليد العاملة,
 بدء باليد الذكورية ذات الجذور الحضرية
 التى اتضح أنها لا تكفى لسد باب الطلب,
 فتوجه الطلب إلى العالم القروي,
 ليحفز الكهول والشباب على النزوح من قراهم إلى المدن,
 بل وحتى الأطفال بدأوا يهاجرون فى آخر المطاف.
 وكان أرباب العمل والمعامل يعدون هؤلاء الفقراء الكادحين
 بتحسين أوضاعهم المعيشية, اقتصاديا واجتماعيا.
 وسيتضح بعد عقود قلائل أن الحاجة إلى اليد العاملة تزداد أكثر فأكثر,
  الأمر الذى دفع الطبقة البرجوازية الرأسمالية
 أن تمكر مكرها على تشجيع المرأة لمغادرة بيتها وأهلها
 والإلتحاق بالمعامل تطحنها دواليبها مقابل أجر بخس,
 لايغني ولا يسمن من فاقة.
  فلهذه الأسباب وفى هذه الأجواء انطلقت حملات منظمة,
تقرع الطبول فى كل جهة وناد,
   للنداء بتحرير المرأة والمطالبة بمساواتها بالرجل,
 كلمة حق أريد بها باطل.
إن الأحداث والتطورات  التى عاشتها المجتمعات الغربية,
 بعجرها وبجرها,
 بحسنها وقبحها,
غيرت الغاية التى خلق من أجلها الإنسان,
وأصبحت الوجهة هى الركوض نحو الشهوات,
(إن هى إلا حياتنا وما يهلكنا إلا الدهر).
 فمن حيث العقيدة, أصبحت الفلسفات المادية
تهيمن على العقل الغربي,
إذ يرى أن الوجود حدث إثر انفجار هائل,
تكونت بسببه الأجرام,
وأن الحياة على وجه كوكب الأرض صدفة,
وأن الإنسان نشأ طبقا لنظرية النشوء والإرتقاء,
وأن بين الإنسان والقرد نسبا.
وأن الحياة صراع لا ينتهى, وأن البقاء للأقوى.
أما من الناحية الأخلاقية,
فمنظومة الأخلاق الموروثة هى مجرد عقد نفسية,
تعرقل المسار الرفيع للحياة,
فكل السلوكيات مقبولة اجتماعيا,
طبقا للعقد الإجتماعي الذى يبرم ديمقراطيا بين المواطنين.
 على إثر هذا أصاب العلاقة بين الزوجين ارتجاج 
برتبة تسعة على سلم ريشتر,
 وتحرك إثر هذا الإرتجاج, تسونامي رهيب,
 جرف الأبناء وزحف بهم إلى الهاوية.
فأصبحت الأم تجعل من ابنها عشيقا,
وأصبح الأب يتخذ ابنته خليلة,
وأصبحت الحرية الشخصية هى المقدس الأقدس,
الذى تتفرع منه باقي المقدسات الأخرى
 التى لا طعم لها ولا لون ولا رائحة.
لقد تغير مفهوم الإصلاح فى وعى هذه المجتمعات الغربية,
وصار الإفساد يتبارى ويتنافس مع الإصلاح,
وجها لوجه, عن واضحة النهار, أمام الملآ,
تنصب لهما المنابر, 
وتجهز لهما جيوش جرارة من دعاة وأنصار.
وتعلق الأوسمة والنياشين للمفسدين,
تماما كما فى بعض الأحيان للمصلحين.
أما الثورات, فحدث ولا حرج:
ثورة الياسمين, وأخرى للبرتقال, ...
كما أصبح الحال فى أوروبا الشرقية,
بعد انهيار الإتحاد السوفياتي.
وكأن مصير الشعوب يعالج بالحفلات والمهرجانات, ليس إلا!...
 وماذا عن مجتمعاتنا الشرقية,
 كما يحلو للبعض أن يسميها قدحا لا مدحا,
 لأنه يغيب كل طيب يرفع من قدرها,
 ويبرز كل عوراتها,
 وهى كثيرة طبعا,
 لا نريد أن نخفيها,
 لأنها أمراض إجتماعية,
 منها المزمن تغلغل فى ذاتها منذ زمن بعيد,
 ومنها العرضي الذى لا يتعدى مداه بضعة عقود.
 أطيب ما تملك هذه الشعوب هى عقيدتها,
 عقيدة التوحيد,
 تلك العقيدة التى أخرجت أجيالا من الأعلام العظام,
التى تأبى هاماتهم أن تسجد لغير الله,
 الواحد الأحد الفرد الصمد,
 تلك العقيدة التي قامت بمسح الأرض,
 فأيقضت شعوبا من سباتها العميق,
 فغرست فى قلوبها روح الإيمان,
وأعطتها الوجهة السليمة نحو الكعبة ورب الكعبة.
والذى يحز فى النفس, أن هذه المجتمعات بدأت تتبع الغرب
 حذو النعل بالنعل, والقذة بالقذة.
وهى مازالت أمة القصعة, مصابة بالوهن,
تظن أن الإصلاح فسحة,
وأن الثورة سياحة.
  حامد البشير المكي
 شتنبر 2011