mardi 15 août 2017

الأم مدرسة

الأم مدرسة
شاء الله أن يولد حافظ ابراهيم 
على ظهر سفينة فوق نهر النيل,
فارتبط مصيره بهذا النهر العظيم, 
ولقب بشاعر النيل.
وكانت السنة التى رأى فيها النور (1872)
من أب مصري وأم تركية.
كان حافظ ابراهيم يتصف بأخلاق حميدة 
جعلته يحظى بالقبول عند عامة الناس وخاصتهم 
وفى كل المنتديات الأدبية والعلمية وكذلك السياسية.
وأهم هذه الصفات هى كرم النفس الذى يتجلى في تواضعه
وحلاوة الحديث التى رفعت من قدره فى المنتديات,
وروعة الإحماض الذى هو شأن الأدباء والعلماء العظام 
الذين كانوا يتأسون
بسيد البرية محمد بن عبد الله الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام
الذى كان يقول:" إذا مللتم فأحمضوا".
وكان رحمه الله يتمتع بذاكرة خارقة أثارت انتباه كل من عرفه ورافقه
وشهد له بها الخصوم قبل الأصدقاء.
وكان الشعر ينساب من لسانه كانسياب النيل عبر ضفاف الكنانة
هذه نبذة مختصرة جدا عن هذا الشاعر الكبير 
الذى عالج مواضع شتى بأساليب شتى
وكان متميزا في التأليف والأداء
اخترت من ديوانه قصيدة من أروع ما جادت بها قريحته
وهي تعالج تنشئة المرأة وتربيتها وتعليمها
لأنها تشكل المدرسة الأولى لإخراج بناة المستقبل
000 
الأم مدرسة
إنـي لـتطربني الخلال كريمة طـرب الـغريب بـأوبة وتـلاقي
وتهزني ذكرى المروءة والندى بـيـن الـشـمائل هــزة الـمشتاق
فــإذا رزقــت خـلـيقة مـحـمودة فـقـد اصـطـفاك مـقسم الأرزاق
فـالـناس هــذا حـظـه مــال وذا عــلـم وذاك مــكـارم الأخــلاق
والـمـال إن لـم تـدخره مـحصناً بـالـعـلم كـــان نـهـاية الإمــلاق
والـعـلم إن لــم تـكـتنفه شـمائل تـعـلـيه كـــان مـطـية الأخـفـاق
لاتـحـسبن الـعـلم يـنـفع وحــدهمــالــم يــتــوج ربـــه بــخـلاق
مــن لــي بـتربية الـنساء فـإنها فـي الـشرق عـلة ذلـك الإخفاق
الأم مـــدرســـة إذا أعــددتــهــا أعـددت شـعباً طـيب الأعـراق
الأم روض إن تــعـهـده الـحـيـا بــالــري أورق أيــمــاً إيـــراق
الأم أســتــاذ الأســاتـذة الألـــى شـغـلت مـآثـرهم مــدى الآفـاق
أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا بين الرجال يجلن في الأسواق
يدرجن حيث أرَدن لا من وازع يحذرن رقبته ولا من واقي
يفعلن أفعال الرجال لواهيا عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهن شؤونهن كثيرة كشؤون رب السيف والمزراق
تتشكّل الأزمان في أدوارها دولا وهن على الجمود بواقي
فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا فالشر في التّقييد والإطلاق
ربوا البنات على الفضيلة إنها في الموقفين لهن خير وثاق
وعليكم أن تستبين بناتكم نور الهدى ةعلى الحياء الباقي
000
أما بعد
إذا كانت هذه هى حال المرأة فى عهد حافظ ابراهيم
فكيف هو حالها الآن, بعد ثمانين سنة خلت؟
الكل يعرف أن المرأة الغربية, أما كانت أو زوجة أو بنت,
كفرت بقيم الأسرة والمجتمع الغربي الذى كان سائدا قبل عهد الحداثة.
وماذا جنت لنفسها وأهلها ومجتمعها؟
الإنحلال الخلقي, والتخلى عن واجبات البيت, واتباع الشهوات.
فنتج عن هذا إخراج أجيال من المترفين والمتسكعين والصعاليك.
وما الأزمة المالية العالمية إلا نذير شؤم واحد من بين النذر
التى تقرع طبول الإنهيار الكلي.
" وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها
فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" قرءان كريم
والتى كانت تسمى بالمرأة الشرقية, سلطوا عليها شياطين الإنس من كل ألوان وأشكال,
فسلبوا منها دينها ومروءتها, ومسخوا هويتها وثقافتها,
وأوهموها بإن خلاصها يكمن فى تقليد المرأة الغربية حذو القدة بالقدة, والنعل بالنعل,
فتركت بيتها إلى الخادمة تعيث فيه فسادا وإفسادا للأبناء,
والنتيجة ما نحن عليه الآن من حداثة متخلفة رديئة.
وإذا كان المفكرون الغربيون يسعون للخروج من فم العفريت,
وهم على يقين تام بأنهم أخطأوا الطريق منذ أكثر من ثلاثة قرون,
فنحن ما زلنا نتغنى بحب ليلى الحداثية.
القصيدة منقولة من ديوان الشاعر رحمه الله
حامد البشير المكي
يونيه 2009

الصور من جحوجل

علمتني الحياة

علمتني الحياة

للشاعر الكبير محمد مصطفى حمام
وهى من روائع شعر الحكمة
ولقد أفرغ فيها الشاعر زبدة تجاربه طيلة حياته
فهو راض بالقضاء والقدر
وهو ﻻ يحمل غلا في قلبه
وهو يبين أن رضاه من نعمة الله
وليس هوانا وﻻ نفاقا
وهو يرى أن الناس ﻻ كل الناس
هم عبيد الجاه والمال
وعبيد الشهوات
فمصطفى حمام  رحمه الله بهذه القصيدة الفذة 
يلتقى مع روح الحديث النبوي التالي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أمام الدجال سنون خداعات, 
يكذب فيها الصادق, ويصدق فيها الكذوب,
ويخون فيها اﻷمين, ويؤتمن فيها الخائن,
ويتكلم الرويبضة,
قيل: وما الرويبضة؟
قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"
حامد البشير المكي
000 
عـلَّـمـتـنـي الحياةُ أن أتلقّى كـلَّ ألـوانـهـا رضـاً وقبولا
ورأيـتُ الـرِّضـا يـخفِّف أثقالـي ويُـلقي على المآسي سُدولا
والـذي أُلـهـم الـرِّضا لا تراهُ أبـدَ الـدهـر حـاسداً أو عَذولا
أنـا راضٍ بـكـل مـا كتب الله ومُـزْجٍ إلـيـه حَـمْـداً جَزيلا
أنـا راضٍ بـكل صِنفٍ من الناسِ لـئـيـمـاً ألـفيتُه أو نبيلا
لـسـتُ أخـشـى من اللئيم أذاه لا، ولـن أسـألَ الـنـبيلَ فتيلا
فـسـح الله فـي فـؤادي فلا أرضـى مـن الحبِّ والوداد بديلا
فـي فـؤادي لـكل ضيف مكان فـكُـنِ الـضيفَ مؤنساً أوثقيلا
ضلَّ من يحسب الرضا عن هَوان أو يـراه عـلـى الـنِّفاق دليلا
فـالـرضا نعمةٌ من الله لم يســعـد بـهـا في العباد إلا القليلا
والـرضـا آيـةُ البراءة والإيــمـان بالله نـاصـراً ووكـيلا
عـلـمـتني الحياةُ أنَّ لها طعــمَـيـن، مُـراً، وسائغاً معسولا
فـتـعـوَّدتُ حـالَـتَـيْها قريراًوألـفـتُ الـتـغـيير والتبديلا
أيـهـا الـناس كلُّنا شاربُ الكأسَـيـن إنْ عـلقماً وإنْ سلسبيلا
نـحـن كالرّوض نُضْرة وذُبولا نـحـن كـالـنَّجم مَطلعَاً وأُفولا
نـحـن كـالـريح ثورة وسكوناً نـحـن كالمُزن مُمسكاً وهطولا
نـحـن كـالـظنِّ صادقاً وكذوباً نـحـن كـالحظِّ منصفاً وخذولا
قـد تـسـرِّي الحياةُ عني فتبدي سـخـريـاتِ الورى قَبيلاً قَبيلا
فـأراهـا مـواعـظـاً ودروساً ويـراهـا سـواي خَـطْباً جليلا
أمـعـن الناس في مخادعة النّفــسِ وضـلُّـوا بصائراً وعقولا
عـبـدوا الـجاه والنُّضار وعَيناً مـن عـيـون المَهَا وخدّاً أسيلا
الأديـب الـضـعيف جاهاً ومالاً لـيـس إلا مـثـرثـراً مخبولا
والـعـتـلُّ الـقويُّ جاهاً ومالاً هـو أهـدى هُـدَى وأقـومُ قيلا
وإذا غـادة تـجـلّـت عـليهم خـشـعـوا أو تـبـتّلوا تبتيلا
وتَـلـوا سـورة الـهـيام وغنّوهـا وعـافـوا القرآن والإنجيلا
لا يـريـدون آجلاً من ثواب الله إنَّ الإنـسـان كـان عـجـولا
فـتـنـة عـمّـت المدينة والقريـةَ لـم تَـعْـفِ فتية أو كهولا
وإذا مـا انـبـريتَ للوعظ قالوا لـسـتَ ربـاً ولا بُعثتَ رسولا
أرأيـت الـذي يـكـذِّب بـالديـن ولا يـرهب الحساب الثقيلا
أكـثـرُ الناس يحكمون على الناس وهـيـهات أن يكونوا عدولا
فـلـكـم لـقَّـبوا البخيل كريماً ولـكـم لـقَّـبـوا الكريم بخيلا
ولـكـم أعـطَـوا الملحَّ فأغنَوا ولـكـم أهملوا العفيفَ الخجولا
رب عذراء حرة وصموها وبغي قد صوروها بتولا
وقطيع اليدين ظلما ولص أشبع الناس كفه تقبيلا
وسجين صبواعليه نكالا وسجين مدلل تدليلا
جل من قلد الفرنجة منا قد أسأ التقبيد والتمثيلا
فـأخـذنـا الخبيث منهم ولم نقـسِ مـن الـطـيّبات إلا قليلا
يـوم سـنَّ الـفرنج كذبةَ إبريــلَ غـدا كـل عُـمْـرنا إبريلا
نـشـروا الرجس مجملاً فنشرناهُ كـتـابـاً مـفـصَّلاً تفصيلا
عـلـمتني الحياة أنَّ الهوى سَيْــلٌ فـمـن ذا الذي يردُّ السيولا
ثـم قالت: والخير في الكون باقٍ بـل أرى الخيرَ فيه أصلاً أصيلا
إنْ تـرَ الـشـرَ مستفيضاً فهوِّن لا يـحـبُّ الله الـيئوس الملولا
ويـطول الصراع بين النقيضَيــنِ ويَـطوي الزمانُ جيلاً فجيلا
وتـظـلُّ الأيـام تعرض لونَيْـهـا عـلى الناس بُكرةً وأصيلا
فـذلـيـلٌ بالأمس صار عزيزاًوعـزيـزٌ بـالأمس صار ذليلا
ولـقـد يـنـهض العليلُ سليماً لـقـد يـسـقـطُ السليمُ عليلا
ربَّ جَوعانَ يشتهي فسحة العمــرِ وشـبـعانَ يستحثُّ الرحيلا
وتـظـلُّ الأرحـامُ تـدفع قابيـلاً فـيُـردي بـبـغـيـه هابيلا
ونـشـيـد الـسـلام يتلوه سفّاحـون سَـنُّوا الخراب والتقتيلا
وحـقـوق الإنـسان لوحة رسّامٍ أجـاد الـتـزويـر والتضليلا
صـورٌ مـا سرحتُ بالعين فيها وبـفـكـري إلا خشيتُ الذهولا
قال صحبي: نراك تشكو جروحاً أيـن لـحن الرضا رخيماً جميلا
قـلـت أما جروح نفسي فقد عوَّدْتُـهـا بَـلـسَـمَ الرضا لتزولا
غيرَ أنَّ السكوتَ عن جرح قومي لـيـس إلا الـتقاعسَ المرذولا
لـسـتُ أرضـى لأمـة أنبتتني خُـلُـقـاً شـائـهاً وقَدْراً ضئيلا
لـسـتُ أرضى تحاسداً أو شقاقاً لـسـتُ أرضى تخاذلاً أو خمولا
أنـا أبـغي لها الكرامة والمجــدَ وسـيـفـاً على العدا مسلولا
عـلـمـتني الحياة أني إن عشــتُ لـنفسي أعِشْ حقيراً هزيلا
عـلـمـتـنـي الحياةُ أنيَ مهما أتـعـلَّـمْ فـلا أزالُ جَهوﻻ
 منقول




اللحظ السحري

اللحظ السحري

هذه القطعة الشعرية
هى محظ خيال الشاعر
في لحظة ما يحركه فيها الجمال
بكل تجلياته
فيتجاوب معه بكل كيانه
ويتحالف معه من أجل اﻹبداع
اﻹبداع الذى يستشفه من الوجود كله
بكل أنواعه وأشكاله
وألوانه وألحانه
جمال النغمة جمال البسمة جمال الهمسة
حتى جمال اللوعة وجمال الدمعة
كلها تعابير عن الجمال 
الذى تفرق فيه الفﻻسفة إلى مذاهب
وسلك فيه اﻷدباء عدة مشارب
فالذى ﻻ يتجاوب مع الجمال
فالحجر أفضل منه
000
اللحظ السحري
كان قلبي يابسا صلبا محجر
كان حصنا ﻻ يدمر
لا يكسر
يا فتاتي قد تغير 

مذ أصاب القلب لحظ صافى أحور
حال رطبا ﻻن أكثر
بان أزهر
يا لقلبي قد تنضر
مذ رآك يا فتاتي صار كوثر
أنت بدر فيه نور
أنت أقمر
ليت شعري من تصور
أن قلبي ذات يوم قد يغير
أنت حب بك فجر
أنت عنبر
باﻷماني قد تفجر
يا فتاتي كم أنا بالرمش أسحر
أنت سهم أنت خنجر
أنت أبتر
يا لقلبي قد تأسر
يا فتاتي مذ رآك صار يؤمر
أنت كسرى أنت قيصر
أنت أكبر
يا لقلبي كم تخدر
كيف أشدو يا فتاتي كيف أشعر
أنت عودي أنت مزمر
أنت قيثر
أنت لحن ﻻ يقدر
أنت لحظ يا فتاتي كيف حور
أنت خد كيف حمر
أنت سكر
أنت شعر كيف عطر
أنت ثغر يا فتاتي كيف دور
أنت نهد كيف عفر
أنت مرمر
أنت نحر كيف عنبر
يا فتاتي أنت بدري حين أسهر
أنت كوني بك عمر
أنت أكثر
يا لقلبي قد تغير قد تغير
قد تغير قد تغير
قد تغير
 حامد البشير المكي
يونيه 1973
  

lundi 14 août 2017

التسخير والتخيير

التسخير والتخيير

سألني حفيدي البشير ذات يوم: 
" بابا حامد, هل اخترت الهندسة عن قناعة 
أم كنت مضطرا؟
وأضاف مسترسلا: 
" أراك كثير الإطلاع بالمجال الأدبي, 
وأن اللسان العربي يطاوعك
 فهل هي ملكة جبلت عليها, 
أم تأثير من أحد أساتذتك 
أم كانت اللغة العربية من مقررات دراستك 
وتكوينك المهني؟
فأجبته بكامل العفوية بما يلي تقريبا:

" أبي لم يدخل يوما ما إلى كتاب أو مدرسة, 
لظروفه الإجتماعية 
حيث رأى النور وهو يتيم من الأب, 
واضطر في بداية صباه أن يساعد أمه على أعباء الحياة, 
فدخل سوق العمل ولم يتجاوز عمره السادسة
 وتنقل من عمل إلى آخر, 
ومن مهنة إلى أخرى, 
حتى استقر في آخر المطاف في مهنة العمارة التقليدية أولا
 ثم العمارة العصرية ثانيا, 
الأمر الذى أكسبه سعة الأفق 
في التصميم والإنجاز فيما بعد.
هذه المقدمة, يا ابني, ضرورية

 قبل الإجابة على سؤالك
عندما تزوج أبي,

 لم يكتب لأبناءه الثلاث 
الذين ولدوا قبلي 
أن يبقواعلى قيد الحياة
 وشاء الله سبحانه وتعالى 
أن أصمد أنا أثناء عقبة الولادة والرضاعة
كان أبي يحمل في أعماقه حلما 

وهو أن يحقق في شخصي كل ما حرم منه في صباه
 وخاصة أن أحصل على مستوى عال 
في العلوم والثقافة والمعرفة
ولابد أن أشير هنا إلى أن أبي 

كان شديد الجلوس في حلقات الذكر 
والدروس التبسيطية
 التى كانت تعطى من لدن عدد من العلماء والفقهاء داخل المساجد,
 وكانوا رحمهم الله يعملون على تصحيح العقيدة الإسلامية
 من الشطحات الصوفية, والخرافات الطرقية, والإسرائيليات
وكان أبي يلازم بعضا من هؤلاء الدعاة,

 ويستمع إليهم وينصت إلى نصائحهم
 وكان يتخذ من صفوتهم أصدقاء له 
يدعوهم إلى بيته, 
ويقدم لهم الطعام والشراب,
 بل وفي بعض الحالات, يتقدم بكسوة فقرائهم
 ويساهم في التخفيف من أعبائهم المادية
وهنا بيت القصيد,

 إذ كان يحرص أثناء استضافتهم 
أن أكون أنا خادمهم,
فأفدم لهم الطست لغسل اليدين

 والمنديل للتجفيف
كما كنت أساعده على حمل الصفرة الخشبية 

وأوانى الأطعمة والأشربة
وكان وقتها يحرص على حضوري معهم 

بعد وجبة العشاء
وكان يغتنم الفرصة تلو الأخرى

 ليجعلني تحت استجواب فقيه ما
 فأجد نفسي مضطرا للإجابة على أسئلتهم
 في اللغة والآداب 
والأخلاق والعقيدة والعبادات
وكان أبي أثناءها لايفارقني ببصره

 وكأنه هو الذى كان يمتحنني
وكان يسألني عندما نخلو ببعضنا البعض, 

في البيت أو خارجه 
عما حفظته من الفقيه فلان أو العالم علان
لم يكن أبي يقرأ ولايكتب 

ولكن كانت له ثقافة شعبية عميقة وأصيلة
 وكان يعمل على مراجعتها باستمرار
 وكان له حدس قوى
 يساعده على مسايرة حوار العلماء بيسر فائق
فهذه البيئة الخاصة, يا ابني, 

هى التى ساعدتني على الإرتباط باللغة العربية وعلومها 
منذ طفولتي
 قبل أن ألتقى باللغات الأجنبية 
الفرنسية والأنجليزية والألمانية 
والثقافات المتعلقة بها
وعندما وصلت إلى مفترق الطرق 

لكى أختار تكوينا متخصصا 
كان بإمكاني أن أختار ما أريد 
من بين طيف واسع من التخصصات,
وكان أبي يتحرز لكى لا يجبرني

 على أي تخصص يميل إليه
 لكنني شعرت وقتها بأن من واجبي أن أسير
 في المسار الذى يحلم به هو,
 فاخترت الهندسة المدنية 
وقلت له أني اخترت أن أصبح بعون الله مهندسا 
فقال لي: لعلك تريد إرضائي
 فأجبته أنني بالفعل قادر أن أجمع بين الحسنيين 
إرضاء أبي وإرضاء نفسي 
وكان كذلك بفضل الله حيث جمعت بين العلوم والآداب 
ولست فريد عصري البتة, يا ابني,
 بل هناك ابراهيم ناجي الطبيب, 
و طه المهندس, والصيرفي,
 وغيرهم كثر 
 فالمسألة فيها تسخير وتخيير معا
والله الموفق لما يشاء ويرضى

حامد البشير المكي
2012





dimanche 13 août 2017

الكلب والخادمة

الكلب والخادمة

خلال السنوات الأولى لعقد السيعينيات 
كنت أعمل فى مديرية هندسة المياه
كنت أغادر البيت عند الصباح الباكر 
إذ كانت هذه عادتي حتى فى أيام العطلة
وذات صباح من فصل الشتاء 
كانت السماء مليئة بالغيوم الماطرة 
وقطرات المطر تنزل باردة كالصقيع
خرجت من بيتي وركبت سيارتي قاصدا مكتبي
وأنا فى الطريق لمحت إمرأة تمشي على الرصيف
يجرها كلب بواسطة سلسلة 
درعها ما يفوق المتر 
اثار انتباهي حالة هذه المرأة 
التى يبدو عليها جليا البؤس
مقابل البدخ الذى يظهر على الكلب
فكانت هذه الزفرة 
من زفرات التدمر والإستنكار

الكلب والخادمة
رأيته يمشي
مشية الأغنياء
في كبرياء
يمشي... كلب يمشي
وامرأة فقيرة تتعثر
في جلباب قديم تتستر
يشدها رسن إلى الكلب
وتهتز يدها من الرعب
يمشي وحول عنقه قلادة
وفي عينيه بريق السعادة
تمشي وعلى وجنتيها غبار اليأس
وحول عينيها صدأ البؤس
خطاه تابثة كخطا السيد
خطاها مبعثرة تبعثر العبد
فيا لبشاعة الزمان
أصبح الكلب سيد الإنسان
سألتها من أنت قالت فاطمة
ماذا تعملين قالت خادمة
قلت ألا تخبريني عن أمرك
افصحي لي عن سرك
قالت والدمع تذرفه العين
بصوت جريح يغمره الحزن
زوجي لم يجد العمل
لا في قريتنا ولا في المدينة
حتى فقد الأمل
فتعاطى لبنت القنينة
فغاب عن البيت
والبيت خلو من الخبز
ومن الزيت
إلا من الفقر والعوز
فخفت عن الأبناء
من لسعة الأمعاء
فبحث عن شغل أي شغل
في أى وقت حتى بالليل
وبعد أيام وأيام
اشتغلت عند مدام 
جاين ألنبي
صاحبة الكلب
أنظف العمارة
ورهن الإشارة
لكلبها السعيد
وابنها الوحيد
نجوت من لسعة الجوع المرير
لكنني أشعر بالشقاء
فلا أتحمل البقاء
في هذا الوضع الحقير
حامد البشير
فبراير سنة 1973

samedi 12 août 2017

بناء السدود الجزء الثاني

بناء السدود الجزء الثاني

في هذا الجزء سنتطرق بحول الله مع قوته 
إلى العلوم التى تحتاجها الدراسات التى تعنى بالمشاريع الكبرى 
والتى من شأنها تصحيح أو تغيير مسار تجمع بشري ما 
منظم تنظيما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا 
كيان له أرض وتاريخ وثقافة 
وعلاقات إقليمية مع الجيران 
وعلاقات دولية مع العالم. وحثما لابد للمشاريع الكبرى أن تؤثر سلبا أو إجابا 
على الجهات التى تكون هذا الكيان ّالدولة  وحثما كذلك لابد من التأثير على الجوار والتأثر منه سلبا أو إيجابا. وهذان العاملان ينتج عنهما تضارب المصالح الأمر الذي يحتاج 
إلى تفاوض في بعض الأحيان يكون معقدا وبطيئا سيما إذا تدخلت قوى أخرى لها مصالح هى الأخرى. ولنا مثل في توزيع مياه نهر النيل 
الذى تشترك فيه عدة دول افريقية أهمها مصر والسودان وكينيا وهناك قوى أخرى قد تعرقل مسار التفاوض 
لتستفيد من هذا المشروع الضخم وفي هذا الصدد يقال أن المياه ستكون خلال القرن الواحد والعشرين
 المولد الأساس للأزمات والحروب أكثر مما هو عليه الآن عنصر النفط.وبما أن السدود تدرس وتنجز لترشيد المياه 
والتحكم فيها بالخزن والنقل والتصريف فإنها تكتسي أهمية قصوى 
بصفتها عامل من العوامل التى تشكل معادلة توزيع الثروات المائية تلك الثروات التى تساهم بقوة 
في التنمية الإقتصادية والإجتماعية 
بل والثقافية والحضارية 
وقد تكون عرضة لإستراتيجيات القوى العالمية المهيمنة .والسدود تدخل في مجموعة من الأشغال الكبرى 
التى تكون مجتمعة شبكة متكاملةلا يتم مشروع ترشيد المياه إلا بإنجازها كاملة 
وإلا سيبقى ناقصالا يحقق أهدافه التى من أجلها اتخذت القرارات لإنجازه.ودراسة السدود والأشغال الملحقة بها تحتاج إلى حزمة من العلوموهذه العلوم تتشكل متنوعة ومتشعبة تنوع وتشعب الأهداف المراد بلوغها وهى للتحسيس لا التفصيل كما يلى:°علوم الأجواء وأحوال الطقس ° علوم الأرض سطحا وعمقا° علوم الثروة المائية سطحا وعمقا° علوم الثروة الطبيعية النباتية° علوم الثروة الطبيعية الحيوانية° علوم الإجتماع والإقتصاد والسياسة° علوم ااقانون والإدارة والمال° علوم التاريخ والحضارة والثقافة ° علوم الفكر السياسي والإستراتيجي والعملياني° علوم التأصيل والتأسيس والتوجيه° علوم الإستراتيجية والتخطيط والتنظيم ° علوم هندسة المشاريع دراسة وادارة وتدبيرا° علوم بناء السدود والأشغال الكبرى° علوم استغلال و صيانة السدود والأشغال المتعلقة يها000
في الجزء الثالث بإذن الله تعالى سنلقى بعض الأضواء
على تلك العلوم التى تجعل من المشاريع الكبرى عموما
ومن السدود وملحقاتها خصوصا موضوعا لها
بقلم حامد البشير
12/05/09